العلامة المجلسي
32
بحار الأنوار
بالكرسي والعرش هنا نوعان من علمه سبحانه ، فالكرسي العلم المتعلق بأعيان الموجودات ، ومنه يطلع ويظهر جميع الموجودات بحقائقها وأعيانها ، والأمور البديعة في السماوات والأرض وما بينهما ، والعرش العلم المتعلق بكيفيات الأشياء ومقاديرها وأحوالها وبدئها وعودها ، ويمكن أن يكون أحدهما عبارة عن كتاب المحو والاثبات ، والآخر عن اللوح المحفوظ . قوله عليه السلام ( لان علم الكيفوفية ) أي إنهما إنما صارا جارين مقرونين لان أحدهما عبارة عن العلم المتعلق بالأعيان والآخر عن العلم المتعلق بكيفيات تلك الأعيان فهما مقرونان ، ومن تلك الجهة صح جعل كل منها ظرفا للآخر ، لان الأعيان لما كانت محال للكيفيات فهي ظروفها وأوسع منها ، ولما كانت الكيفيات محيطة بالأعيان فكأنها ظرفها وأوسع منها وبهذا الوجه يمكن الجمع بين الاخبار ولعله أشير إلى هذا بقوله ( أحدهما جعل صاحبه في الظرف ) بالظاء المعجمة أي بحسب الظرفية ، وفي بعض النسخ بالمهملة أي حيث ينتهي طرف أحدهما بصاحبه إذا قرئ بالتحريك ، وإذا قرئ بالسكون فالمراد نظر القلب . ( وبمثل صرف العلماء ) أي علماء أهل البيت عليهم السلام عبروا عن هذه الأمور بالعبارات المتصرفة المتنوعة على سبيل التمثيل والتشبيه ، فتارة عبروا عن العلم بالعرش ، وتارة بالكرسي ، وتارة جعلوا العرش وعاء الكرسي ، وتارة بالعكس ، وتارة أرادوا بالعرش والكرسي الجسمين العظيمين ، وإنما عبروا بالتمثيل ليستدلوا على صدق دعواهما ، أي دعواهم لهما ، وما ينسبون إليهما ويبينون من غرائبهما وأسرارهما ، وفي أكثر النسخ ( وليستدلوا ) فهو عطف على مقدر أي لتفهيم أصناف الخلق وليستدلوا ، ولعل الأظهر ( دعواهم ) . قوله عليه السلام ( فمن اختلاف صفات العرش ) أي معانيه قال في سورة الأنبياء ( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) فالمراد بالعرش هنا عرش الوحدانية ، إذ هي أنسب بمقام التنزيه عن الشريك ، إذا المذكور قبل ذلك ( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون * لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ، وقال سبحانه في سورة الزخرف ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين